مجمع البحوث الاسلامية
531
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، أي لا تعجل بالتّلاوة إلى أن يقرأ عليك ما ينزل في وقته . ( 5 : 253 ) القشيريّ : لا تستعجل في تلقّف القرآن على جبريل ، فإنّ علينا جمعه في قلبك وحفظه ، وكذلك علينا تيسير قراءته على لسانك ، فَإِذا قَرَأْناهُ أي جمعناه في قلبك وحفظك فاتّبع بإقرائك جمعه . ( 6 : 224 ) الزّمخشريّ : الضّمير في ( به ) للقرآن ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمّها ، مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلّت منه ، فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه ، حتّى يقضي إليه وحيه ، ثمّ يقفيه بالدّراسة ، إلى أن يرسخ فيه . والمعنى : لا تحرّك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات اللّه عليه يقرأ ، لِتَعْجَلَ بِهِ لتأخذه على عجلة ، ولئلّا يتفلّت منك . ثمّ علّل النّهي عن العجلة بقوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك وإثبات قراءته في لسانك ، فَإِذا قَرَأْناهُ جعل قراءة جبريل قراءته . والقرآن : القراءة فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فكن مقفيا له فيه ولا تراسله ، وطأ من نفسك أنّه لا يبقى غير محفوظ ، فنحن في ضمان تحفيظه . ( 4 : 191 ) نحوه ملخّصا أبو السّعود ( 6 : 336 ) ، والآلوسيّ ( 29 : 142 ) . الفخر الرّازيّ : زعم قوم من قدماء الرّوافض : أنّ هذا القرآن قد غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجّوا عليه بأنّه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ، ولو كان هذا التّرتيب من اللّه تعالى لما كان الأمر كذلك . واعلم أنّ في بيان المناسبة وجوها : أوّلها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهيّ عنه ، إنّما اتّفق للرّسول عليه السّلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم نهي عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . وهذا كما أنّ المدرّس إذا كان يلقي على تلميذه شيئا ، فأخذ التّلميذ يلتفت يمينا وشمالا ، فيقول المدرّس في أثناء ذلك الدّرس : لا تلتفت يمينا وشمالا ، ثمّ يعود إلى الدّرس ، فإذا نقل ذلك الدّرس مع هذا الكلام في أثنائه ، فمن لم يعرف السّبب يقول : إنّ وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدّرس غير مناسب ، لكن من عرف الواقعة علم أنّه حسن التّرتيب . وثانيها : أنّه تعالى نقل عن الكفّار أنّهم يحبّون السّعادة العاجلة ؛ وذلك هو قوله : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ القيمة : 5 ، ثمّ بيّن أنّ التّعجيل مذموم مطلقا حتّى التّعجيل في أمور الدّين ، فقال : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، وقال في آخر الآية : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ القيمة : 20 . وثالثها : أنّه تعالى قال : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ القيمة : 14 ، 15 ، فها هنا كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر التّعجيل في القراءة مع جبريل ، وكان يجعل العذر فيه خوف النّسيان ، فكأنّه قيل له : إنّك إذا أتيت بهذا العذر لكنّك تعلم أنّ الحفظ لا يحصل إلّا بتوفيق اللّه وإعانته ، فاترك هذا التّعجيل واعتمد على هداية اللّه تعالى ، وهذا هو المراد من قوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .